ابن كثير

141

البداية والنهاية

وفي هذه السنة حج بالناس المهدي واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي ، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد وخلقا من الأمراء منهم ؟ توب بن داود على منزلته ومكانته ، وكان الحسن بن إبراهيم قد هرب من الخادم فلحق بأرض الحجاز ، فاستأمن له يعقوب بن داود فأحسن المهدي صلته وأجزل جائزته ، وفرق المهدي في أهل مكة مالا كثيرا جدا ، كان قد قدم معه بثلاثين ألف ألف درهم ومائة ألف ثوب ، وجاء من مصر ثلاثمائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار ، فأعطاها كلها في أهل مكة والمدينة . وشكت الحجبة إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم من كثرة ما عليها من الكساوي ، فأمر بتجريدها ، فلما انتهوا إلى كساوي هشام بن عبد الملك وجدها من ديباج ثخين جدا ، فأمر بإزالتها وبقيت كساوي الخلفاء قبله وبعده ، فلما جردها طلاها بالخع ( 2 ) وكساها كسوة حسنة جدا ، ويقال إنه استفتى مالكا في إعادة الكعبة إلى ما كانت عليه من بناية ابن الزبير ، فقال مالك : دعها فإني أخشى أن يتخذها الملوك معلبة . فتركها على ما هي . وحمل له محمد بن سليمان نائب البصرة الثلج إلى مكة ، وكان أول خليفة حمل له الثلج إليها . ولما دخل المدينة وسع المسجد النبوي ، وكان فيه مقصورة فأزالها وأراد أن ينقص من المنبر ما كان زاده معاوية بن أبي سفيان فقال له مالك : إنه يخشى أن ينكسر خشبه العتيق إذا زعزع ، فتركه . وتزوج من المدينة رقية بنت عمرو العثمانية ، وانتخب من أهلها خمسمائة من أعيانها ليكونوا حوله حرسا بالعراق وأنصارا وأجرى عليهم أرزاقا غير أعطياتهم وأقطعهم أقطاعا معروفة بهم . وفيها توفي الربيع بن صبيح ، وسفيان بن حسين ، أحد أصحاب الزهري ، وشعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي أبو بسطام الواسطي ، ثم انتقل إلى البصرة . رأى شعبة الحسن وابن سيرين ، وروى عن أمم من التابعين ( 2 ) وحدث عنه خلق ( 3 ) من مشايخه وأقرانه وأئمة الاسلام . وهو شيخ المحدثين الملقب فيهم بأمير المؤمنين قاله الثوري . وقال يحيى بن معين : هو إمام المتقين ، وكان في غاية الزهد والورع والتقشف والحفظ وحسن الطريقة . وقال الشافعي : لولاه ما عرف الحديث بالعراق . وقال الإمام أحمد : كان أمة وحده في هذا الشأن ، ولم يكن في زمانه مثله . وقال محمد بن سعد : كان ثقة مأمونا حجة صاحب حديث . وقال وكيع : إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات بذبه عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال صالح بن محمد بن حرزة : كان شعبة أول من تكلم في الرجال تبعه يحيى القطان ثم أحمد وابن معين . وقال ابن مهدي : ما رأيت أعقل من مالك ، ولا أشد

--> ( 1 ) من الطبري 9 / 337 وفي الأصل خلوف . والخلوق ضرب من الطيب ( قاموس ) . ( 2 ) سمع من الحسن ومعاوية بن قرة وعمرو بن مرة والحكم وسلمة بن كهيل وأنس بن سيرين ويحيى بن أبي كثير وقتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالد الحذاء وغيرهم . تذكرة الحفاظ . صفة الصفوة . ( 3 ) منهم أيوب السختياني وابن إسحاق وسفيان الثوري وابن المبارك وغندر وآدم وعفان بن مسلم وأبو داود وسليمان بن حرب وعلي بن الجعد وغيره . ( تذكرة الحفاظ 1 / 193 ) .